الصفحة العربية الرئيسية

الاثنين، يوليو 09، 2012

الشيخ وجدي غنيم والإفلاس الأخلاقي والمنطقي والمنهجي


تعيش بلدان الربيع العربي التي حسمت انتصارها النهائي، أصداء الثورة وإرهاصات الإنتقال الشاق من مرحلة الصمت والكبت، إلى الثورة والإنفجار، ثم إلى تجربة الحرية والديموقراطية في سابقة فريدة من نوعها، وفي مثل هذه الأحوال فإن المتأمل ليرى عجبا.
خرج علينا الشيخ (الداعية) وجدي غنيم مؤخرا عبر تسجيل مصور، يقدم النصح للرئيس المصري الجديد المنتخب (الدكتور. محمد مرسي) بما يشبه الكارثة في كل شيء، لتنافي جوهر قوله وظاهره مع أدنى فهم واتباع لمبادي الدين الإسلامي الذي هو حقل تجربته وعلمه وعمله بل ومصدر رزقه!
رغم ان الرجل قد أنزل نفسه منزلة الناصح للرئيس، فإنه كان احوج من منصوحه للمراجعة والمناصحة والإستدراك، ولا يبدو انه كان في أحسن احواله حيث بدت عليه علامات الهيجان والهستيريا الشديدة لدرجة افقدته أدنى منطق، ناهيك عن وقار العلماء وحلمهم، في وقت ظن فيه اكثر اليائسين من مثل هؤلاء الشيوخ ان انتصار السيد (مرسي) في الإنتخابات الرئاسية قد يثلج صدورهم ويهدئ ثائرتهم  على القوم!
نحن نستلهم بالطبع حادثة دخول الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة فاتحا ومنتصرا بدون قتال على المدينة التي لفظه اهلها وعذبوه واصحابه واخرجوه منها مطاردا، لكنه عندما دخلها منتصرا كان مطأطئ الرأس، تواضعا لله، واعترافا بنعماه ثم ادخل الجميع في عفو الكرام الأخوة!
ويستوي استلهامنا لسيرة النبي في فتح مكة حال افتراضنا ان جميع من نافسوا السيد محمد مرسي وانتقدوه وانتقدوا مسلكه هم من الكفار، او كما يحكم بذلك شيخنا الجليل، وحتى في هذه الحال كان النبي صلى الله عليه وسلم كما رأينا، فما بالنا وهؤلاء الذين ينعتهم ويتهجم عليهم الشيخ الجليل هم قادة العمل العام السياسي والصحفي والفكري والأدبي، وكثير منهم من المسلمين، وليس يعيبهم – بغض النظر عن تنوع اديانهم- شيء سوى انهم لا يتفقون مع الرئيس مرسي، او لا يتفقون مع منهجه ومنهج جماعته، فهم معارضون، وهم ليبراليون وهم علمانيون وهم احيانا سلفيون اكثر تشددا من السيد مرسي نفسه، بل ما بال شيخنا الجليل ينحدر بأوصافه لهم بالصراصير والفئران والكلاب المسعورة؟
من المؤلم حقا ان يجافي منطق شيخنا الجليل كل خلق جليل إلى نابي الألفاظ وقبيح القول والسباب وخفة العقل بعد ان انزله الناس منزلة الدعاة والعلماء والشيوخ!
حديث الشيخ وجدي غنيم – المأسوف عليه- تناول قضايا عديدة ينقصه فيها جميعا الصبر والتعقل والتأمل، وفي كثير منها قلة العلم وفي بعض منها عدم اتقاء الفتنة تصيب الناس لدعواه ثم يبؤ بإثم إطلاقها من عقالها:
النقطة الأولى التي اثارها هي اعتراض بعض السياسيين على الرئيس مرسي، وافتتاحه الحديث بالقرآن الكريم وتقريعهم او سبهم له – حسب إدعاء الشيخ غنيم- وكان نصيب هؤلاء هو انهم كالكلاب المسعورة والصراصير والفئران مثلما يقول في هذه الفقرة:(  عموما انا بقول فخامة الرئيس الدكتور مرسي بقوله لا تعبأ بهذه الصراصير والفئران دول اقسم بالله مالهم قيمة لا عند الله ولا عند الناس دول زي الصراصير و الفئران ما يعيشوش إلا في النجاسة، دول يعيشوا في النجاسة، ومش حكرر الكلام الي قلتو : هل يضر السحاب نبح الكلاب، وقلت دعوا القافلة تسير والكلاب تنبح في آخر تسجيلين فمش حكررهم تاني)
النقطة الثانية تعيد للأذهان الأزدواجية التي تشكل عقول كثير من شيوخنا وإسلاميينا، او سمها الإنتهازية، فهم لا يؤمنون بالديموقراطية ولكنهم لا يمانعون ان يأتوا للسلطة من خلالها، فالرجل يعترف بأنه لا يؤمن بالديموقراطية (بتاعتهم على حد تعبيره) وإنما يعترف بالشورى، ثم يمضي ليناقض ذلك المبدأ حين يؤكد حق الرئيس في تعيين من شاء في الوزارات وان لا يستقيل من حزبه كونه فائزا في الإنتخابات، بل ويرى ان من يسب الرئيس كمن يسب مصر لأنه رمز مصر! وهذه من اغرب ما سمعت من شيخ يورد لكل حكم دليلا من القرآن والسنة إلا مسألة الرمز هذه لم نسمع بها من قبل في القرآن والسنة، ولعلها تدخل في باب الإجتهاد والقياس!
ثم يقول بأن من يسبه (أي الرئيس) يسب شعب مصر الذي اختاره، ولا أدري ان كان شعب مصر قد اختار الرئيس عن شورى ام عن ديموقراطية!
( دول لا بيحترموا لا دينهم ولا بيحترموا عقيدتهم ولا بيحترموا الديموقراطية، عشان كده لا قيمة لهم ولا احترام لهم، انا بقول لفخامة الدكتور مرسي اوعي تعبرهم في جزمتك ورب الكعبة جزمتك انضف منهم وربي بيسألني في الآخرة عن هذا اليمين، فأوعي تحطهم في دماغك ولا تعبرهم، ده شوف قلة الأدب طالعين زي الكلاب المسعورة الخنازير يشتموا في رئيس الجمهورية، ايه قلة الأدب دي؟ أيه قلة الأدب دي؟ أيا كان، ايا كان، ده رمز مصر دلوقتي، اصبح رمز مصر، يبقى انت لما بتشتم فيه بتشتم في مصر، وبتشتم في الناس الي انتخبوه، الناس الي اختاروه)
هذه هي عقلية كثير من شيوخنا عندما تستخفهم السلطة فيركبون لها كل وسيلة، ولا يغرنك حديثهم من قبل ومن بعد ذلك فهو من وادي عبقر!
النقطة الثالثة كانت اعتراضه على دعوة البعض لأن لا يستأثر الرئيس وحزبه بكل الحقائب الوزارية وهو في هذه يستشهد بممارسات الأحزاب في دول أوربا وأمريكا، وكان من الممكن تفهمها لولا انه غاص في وحل السباب والشتائم والتهريج.
النقطة الرابعة وهي من النقاط شديدة الحساسية والتأثير على سلامة النسيج الإجتماعي وجوهر المواطنة التي تقوم على مبادي الإحترام ونصفة ذوي الأقليات الدينية والعرقية الأخرى على قلة عددهم، وهي من صميم تقاليد البلدان المتحضرة التي بحثت كثيرا في ادق طرق التمثيل في الدوائر الإنتخابية التي لا يشكل متساكنوها كثافة عددية تخولهم تنصيب من ينوب عنهم، وكان لتلك السياسات الأثر الكبير في استقرار وتماسك تلك المجتمعات لرسوخ مفهوم المواطنة المشتركة والحقوق المتساوية على ذلك الأساس، والقدرة على تحصيل الدرجات والتقدير وفقا للكفاءة والجهد، وبذلك نهضت شعوب وقامت حضارات ننظر لها نحن المسلمون بعين الإحترام من مستنقعنا القصي، فإننا لا نرى من بأس في الإهتداء بتراث الحكمة البشرية وتجاربها فيما تسنى لنا مناخ الديموقراطية والتعبير والتغيير في بعض بلداننا، مع الإقتداء الأولى بسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في طيب المعاملة والإنصاف للمخالف في الدين، في حين ان شيخنا يهمل كل ذلك ولا ادري إلاما يرمي من خلال ذلك؟ ودونك نصيحته الأخيرة حين يقول: (آخر نصيحة بس بقولها لأخي الحبيب فخامة الرئيس الدكتور مرسي انا سمعت وياربي يكون هذا الكلام كذب، ايا كان حذاري واوعي وعلى الله واياك تقع في هذه المصيبة الي عاوزين يوقعوك فيها، والله يادكتورنا سيذكرك التاريخ باللعنات لأنك حتكون انت بدأت بالمصيبة دي، انك تعين نائب ليك صليبي او تحط إمرأة) ولا يبدو – من خلال هذه الدعوة- أن الشيخ غنيم يعنيه كثيرا شأن الإستقرار والسلم بين فئات المجتمع المصري، فنحن ننبه لضرورة مواجهة أمثال هؤلاء بكل الوسائل الممكنة من اجل الحفاظ على سلامة النسيج الإجتماعي من ضرهم البالغ، فهم لا تهدأ لهم ثائرة حتى ينزلق المواطنون لحروب دينية طاحنة وفتن لا يعلمها إلا الله فأنتبهوا يا أخوتي في مصر.
النقطة الخامسة هي تركيزه على ان يقوم الرئيس بتعيين رئيس وزراء مسلم يتقي الله، وان يعين وزراء مسلمين يتقون الله، من تنفيذ مشروعه ( الجميل)، وهنا لا يبدو ان للشيخ الجليل ادنى معرفة بكيفية تسيير نظم الدولة في رحاب الديموقراطية وحكم القانون وإستقلال القضاء ووجود المجالس التشريعية التي تراقب وتقر كل السياسات بعد دراسة متعمقة، دون الإلتفات للصفات الشخصية لمتقلدي الوزارات والمناصب فذلك شأن خاص بين العبد وربه وهو من امور الغيب، أما شؤون الحكم والسياسة فهي لا تخضع لحسن النوايا ولا الغيبيات والكشف، وإنما لمعايير علمية ضابطة ومراقبة قبلية وبعدية.
النقطة الأخيرة هي حديثه عن نفسه بشكل لا يليق بالعلماء، وهو ما افقده التركيز مرة اخرى حين انحدر لتقليد اصوات النساء والميوعة التي لا تليق بمقام الرجال، حين ناشد الرئيس ان لا يهتم بموضوع عودته هو إلى مصر وكأن الرئيس المنتخب ليس أمامه من المهمات الجسيمة سوى عودة ( الشيخ وجدي غنيم) من مهجره ( الوثير) في الخليج، وان على الرئيس ان يركز على نصرة الشيخ عمر عبدالرحمن المحكوم عليه في امريكا، وهي دعوة كان بالإمكان ان تبلغ في أدب يليق بها ودون اقتران بحالته هو الخاصة فهي على - خلاف ما قدم الشيخ وجدي غنيم-  كونه يعطي الأولوية في العودة للشيخ عمر عبدالرحمن على فهي حالة تخضع لظروف وشروط لا تشبه ظروف وشروط الشيخ وجدي غنيم من عدم حاجته هو لشفاعة الرئيس اصلا وصعوبة إخراج الشيخ عمر عبدالرحمن من غياهب السجن الأمريكي لأنه مسجون في بلد آخر وليس ممنوع من دخول بلاده.
كنت دائما اعتقد أن شهادات الماجستير والدكتوراه في كثير من الأحيان لا علاقة لها بمقدار ثقافة وفكر ووعي حامليها من عجب ما نرى، وتحملني هذه الملاحظة لبعض الذكريات في السنة الأولى الجامعية في ليبيا، حين طلب  استاذ اللغة العربية (دكتور) من احد الطلبة الليبيين أن يصمت وهو (أسود البشرة) فقال له اسكت ياعبد!
وذات الملاحظة طالعنا بها ( الدكتور) يوسف شاكير في الفضائية الليبية إبان الحرب الأخيرة   
وهو ينافح ويدافع عن العقيد القدافي ضد الثوار وكل من تعاطف معهم، كان يستخدم ذات الأوصاف وذات التشابيه التي يستخدمها شيخنا ( وجدي غنيم)، حيث كان يوسف شاكير عندما يذكر الدكتور عمر موسى يقول (حمر موشى) ومن عجب ان الشيخ وجدي غنيم يقول عن حسني مبارك ( حسني حمارك)! فتأمل
ثم هو يصف النخبة (بالجزمة)، ثم يقول انهم دون قيمتها ويستشهد بأن المرء لا يشكر الجزمة عندما يصل البيت لأنها (جزمة)  وإذا اصابها تلف ما فهو يرميها ويشتري غيرها، فلله أي شيوخ هؤلاء واي منطق هذا الذي نسمع؟
إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وحتى (الجزمة) من نعم الله ولها على الإنسان فضل عظيم، وثمة من لا يتوفر عليها في بلاد الله الواسعة فيمشي حافيا في رمضاء ووعثاء لا يعلمها إلا الله.
كم يصيب المرء من ألم على الأجيال عندما يكون هؤلاء هم المربيين!
إن مصيبتنا تعز يا أخوتي على كل مداوي ولله الأمر من قبل ومن بعد
أترككم مع عينة من مصطلحات شيخنا الجليل
فخامة الرئيس الدكتور مرسي ربنا يبارك فيه ياربي ويحفظه!
( من حقه علينا ان نحنا نقدم له النصيحة كما امرنا وكما قال في اوائل الخطابات الجميلة)
( عموما انا بقول فخامة الرئيس الدكتور مرسي بقوله لا تعبأ بهذه الصراصير والفئرأن)
 ( دول اقسم بالله مالهم قيمة لا عند الله ولا عند الناس دول زي الصراصير و الفئران ما يعيشوش إلا في النجاسة)
( دول يعيشوا في النجاسة)
( هل يضر السحاب نبح الكلاب)
( دعوا القافلة تسير والكلاب تنبح)
( انا ما عرفش مين سماهم نخبة، نخبة ايه وخيبة ايه، مين الي اطلق عليهم الألفاظ دي؟ )
( ايه الهبل والهطل والعبط ده)
( انا بقول لفخامة الدكتور مرسي اوعي تعبرهم في جزمتك ورب الكعبة)
( جزمتك انضف منهم وربي بيسألني في الآخرة عن هذا اليمين)
( شوف قلة الأدب طالعين زي الكلاب المسعورة الخنازير يشتموا في رئيس الجمهورية)
( وانا عاوز اسئلهم لو كان فيهم راجل إن كان عندهم رجولة)
( دول مش رجال دول ذكور اشك والله الله اعلم)
( يا اشباه الرجال، يا أشباه الذكور، كان فيكم راجل يقدر يتكلم عن حسني حمارك)
( كانوا كلهم حاطين جزم متعصة نجاسة في بؤهم)
( دول يخافوا ما يختشوش، علشان كده بقول لفخامة الرئيس ولا تعبرهم في جزمتك ولا تحطلهم اعتبار)
( واحد فينا بيوصل البيت بيقلع جزمته بيقول لها متشكرين ياجزمة؟ لا طبعا، لأنها جزمة... جزمة ولو فيها اي حاجة ارميها وهات واحدة تانية)
( دول اقل من الجزم، لأن دول اصلا اصلا إلي كانوا موجودين في النظام البائد الي كانوا مؤيدين للنجس الكان بيحكمنا لأن هما انجاس زيه)
ولمن اراد الإستزادة الرجوع للرابط اسفله للإستماع للتسجيل متكاملا:

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
ايطاليا – سان جيوفاني

السبت، يونيو 30، 2012

مصير الشعب السوداني بين مطرقة الحكومة وسندان الحركات المسلحة


( السودان والثورة والمجهول)
إنطلاق موجات الإحتجاج الجماهيري في بعض مدن السودان جاءت متأخرة جدا، ليس قياسا على أو اقتداءا بثورات الربيع العربي التي تفجرت في بعض البلاد العربية المجاورة، ولكن قياسا لما حاق بالسودان من تشظي وظلم وفوضى وفساد في كل شيء تاهت معه بوصلة الجميع. فمن جهة لم تعد جماعة المؤتمر الوطني تدري من اين وكيف تستطيع لملمة اشلاء الوطن الممزق شريطة أن يتسنى ذلك تحت حكمها وسيطرتها، وصولا لمرحلة متطورة لم يعد فيها التشبث بالسلطة هدفا في حد ذاته بقدرما انه الضامن الوحيد والأخير لرموز تلك الجماعة من الملاحقات القانونية والمحاسبة داخليا وخارجيا.
من جهة اخرى فإن المعارضة هي الأخرى فقدت بوصلتها ولم تعد تدري من اين وكيف يمكن للوطن ان يستعيد حريته وعافيته وتحت شرط وحيد آخر هو ان تظل ذات القوى السياسية هي الوريث الشرعي للإنجاز لتعود إلينا بذات الوجوه وبذات الهلمجرات وتجار العملة وزعماء الطرق الصوفية والإسلاميون الجدد!
كل هذا ذهب مع الريح ولم يعد ممكنا، حتى الشعب السوداني نفسه لم يعد يدري كيف يمكن تحرير الوطن بشرط وحيد آخر ايضا ومختلف وهو ان يظل الوطن ملكا لكل الشعب السوداني، يشعرون فيه بالعدل والمساواة والحرية والكرامة.
والشريحة المستنيرة هي بشكل خاص لم تعد تدري إلاما يتجه قطار السودان، ولا كيف يمكن توجيه هذا القطار بحيث يبلغ – في نهاية المطاف- بر الأمان، مع اتفاق الجميع على ضرورة التغيير وانسياق الكثيرين بل وانسياقنا كلنا وراء قطار الثورة والشارع كي نزيل هذا النظام البئيس، ومع اننا جميعا ندعوا لهذا الخيار فإن التنبأ بجدواه في لملمة شمل الوطن وتضميد جراحه لا يعدو محض تفائل ونوايا حسنة مثلما ذهب إليه الصحفي المناضل " سيف الدولة حمدنا الله" في مقاله الأخير حيث أكد بأن جميع أزماتنا سوف تحل من تلقاء نفسها بمجرد زوال هذا النظام، وهي مجازفة لا يستطيع المرء التسليم بها عند إمعان النظر في عمق الأزمة التي تلف البلاد، ومن ناحية أخرى لا يمكن بحال من احوال لأحد هؤلاء المتفائلين او حتى المتشائمين ( مثلي) ان يقول لأبناء هذا الشعب: لا تثوروا!!
كلنا ندعوا للثورة وكلنا ندعوا لإزالة هذا النظام ولكننا كلنا لا ندري إلى أين نجته، وإلاما ينتهي بنا المصير؟
لهذا فبوصلة المراقبين والصحفيين والمحللين والمستنيرين هي الأخرى قد تاهت، تاهت لأن الثورة السودانية جاءت متأخرة جدا!
أقول هذا لأن ثورات الهامش عبرت عن نفسها بقوة السلاح وتحت قيادات جديدة، بعضها لم تكن معروفة في قاموس السياسة السودانية من قبل وبعضها انبثق عن تشكيلات حزبية مدنية لم يعد يؤمن بجدواها. هذه الثورات هي الأخرى لم تبد نضوجا في فكرها وجدية في إلتزام منطق موحد هادف لحل المشكل عندما انشغلت بالصراعات البينية  من اجل النفوذ وهي لم تقم موحدة لتتشظى بعد ذلك ولكنها في كثير من الأحيان نشأت متشظية ثم لم تلتزم بعد ذلك خطا يوحدها للتصدي لجوهر القضية والمشكلات التي يعاني منها المواطن في مناطق الهامش تخصيصا والسودان تعميما، مما سهل مهمة الحكومة في استقطاب بعضهم وإدخالهم في منافسات لم يعودوا منها بطائل سواءا الذين فاوضوا الحكومة وعادوا من ميدان الحرب او أولئك الذين ظلوا يحملون السلاح.
هذه الحركات لم يكن لها اصلا بوصلة تهتدي بها.
لكنهم يقولون بأنهم بمجرد سقوط النظام سوف يسلمون السلاح ولعل الأخ سيف الدولة حمدنا الله لم يرد المجاذفة بتخذيل الشباب السودانين وهم يخرجون للشوارع يواجهون قمع نظام الإنقاذ،  ولكنه جازف بحسن نواياه وتفائله المفرط في ان الأمر سينتهي بتسليم هذه الجماعات لسلاحها حال سقوط النظام، وهو الأمر الذي لن يحدث، لأن كثيرا من هذه الجماعات تخوض صراع نفوذ فيما بينها وتخشى كل منها من الأخرى، تماما مثل الصراع الذي خاضته احزاب الشمال الكبرى بين يدي الإستقلال وقبله عبر المؤامرات والدسائس التي سولت للبعض حتى ان يستعين بالمستعمر على الأخرين، وهم رغم قداسة الإستقلال وفرحة الوطن بعودة الحرية والإرادة الوطنية إلى ابناءه قد ضيعوا مساعي الوطن بذاك الصراع، والأن نحن بين يدي فئات اخرى تخوض الصراع فيما بينها ولكن بشكل مسلح هذه المرة، ومن ناحية اخرى فإن كثيرا من هذه القوى يكتسب اهميته ومحوريته الأساسية من هذا السلاح الذي يحمله، وهو الذي خوله مفاوضة الحكومة ( اقوى الأطراف على الإطلاق) وهو الذي يخوله مفاوضة الأحزاب والقوى السياسية التي ترجو وتتمنى وتنتظر ان تكلل تضحيات الشعب السوداني ومعاناته بالنجاح في إسقاط هذا النظام كي يخرجوا من قوقعتهم للمنابر والمؤتمرات من جديد، لكن هذه القوى السياسية التي ضيعت الوطن بمؤامراتها من قبل سوف تتوه - هذه المرة-  بين مسلحي الحكومة ومسلحي المعارضة والوطن بين هؤلاء جميعا هو في كف عفريت.
ومع ذلك فنحن ندعوا للثورة على هذا النظام ونبذل في ذلك ما استطعنا من نصح وتشجيع ونوايا حسنة ولكننا ندعو الجميع للتأمل في مآلات ما بعد الثورة والتغيير!!



الأربعاء، مايو 02، 2012

الشعراء لايموتون!


في خبر عجول، نشرت بعض وسائل الإعلام نبأ وفاة الشاعر الإفريقي العظيم " محمد الفيتوري" ثم استدركت بعد ذلك مؤكدة عدم صحة النبأ، في تلك الأثناء قام الصحافي الكبير "طلحة جبريل" رئيس قسم جريدة الشرق الأوسط بالمغرب بالإتصال بمنزل شاعرنا العظيم يسترجعه فيما نشر، فرد عليه الفيتوري العظيم بكل ثقة : الشعراء لا يموتون!!
نعم الشعراء لا يموتون



السبت، مارس 24، 2012

صحيفة "سودانايل" والهنود

منذ ايام والصحيفة الإلكترونية "سودانايل" تتعرض لحملة تخريب إلكتروني "تهكير" مستمرة تتسبب في إخفاء الصفحة بعد ثوني من فتحها مباشرة، وقد تمكنت الصحيفة من النشر فقط قبل يومين، حيث نشرت فيها ذات الخبر "خبر التخريب" مؤكدة ان مصدر التخريب هو دولة الهند، ولقد تمكنا بعد جهد من مطالعتها مرة اخرى ثم اختفت من جديد، جدير بالذكر ان هذه الهجمة ليست الأولى على صحيفة " سودانايل" وقد شهدت صفحة "سودانيس اونلاين" هي الأخرى هجمة مماثة في الأشهر الماضية ادت لحجبها عن القراء بشكل تام لعدة أيام، هذا وتعتبر كلا من صحيفة "سودانيل وسودانيس اونلاين" من المصادر القليلة التي تحظى بمتابعة ومشاركة واسعة النطاق من قبل جماهير الشعب السوداني، ولا يخفى على ذي عقل ما ظلت تمثله قبضة الحكومة السودانية على وسائل الإعلام المطبوع وتضييقها على حرية التعبير وتبصير الرأي العام بحقائق ما يجري في السودان من ممارسات لا تتوقف عند الحروب المشتعلة في غربي البلاد وجنوبها الغربي والشرقي بل تمتد لقمع المظاهرات واعتقال الطلبة ومحاصرتهم في مباني السكن الطلابي والقتل العشوائي على شاكلة ما جرى للمواطنة "عوضية" في احد احياء العاصمة الخرطوم منذ ايام، وإطلاق يد الأجهزة المنية ترويعا للمواطنين وتهديدا لحياتهم علاوة على سياسات الإقتصاد المتهالكة التي دفعت بالوطن والمواطن لحافة الكارثة والفقر المدقع الذي يحول بين المريض والعلاج، ويحول بين الجائع والطعام، والحكومة إلى ذلك ترعى منتسبيها ممن سرقوا اموال الشعب واستنزفوا قدراته وما زالوا على ذلك.
بالإشارة لما تمثله الحملة الحكومية على الحريات عموما وحرية التعبير خصوصا لا يمكن قراءة حادثة التخريب الإلكتروني " التهكير" من دولة الهند إلا على انها ايادي الحكومة الآثمة التي طالما امتدت بالظلم والتخريب والتشريد لكل قيمة وكل ذي فكر وكلمة حق.

الأحد، فبراير 19، 2012

عزت معانيك (ياسمح يازين)


ترحل يا ابن اكتوبر الأخضر!
كيف العزاء إذن؟
ترحل وفينا منك ومن كلماتك وعزماتك عطر وسحر وتبر...
ترحل وبنا منها شقاء وعناء ورجاء!
يالك، وقد عاندتني الكلمات منذ اليوم.
وكل عظيم يرحل تعجزنا - برزءه-  عبرة الحزن ومشقة التصور ان نقول وداع
أما وقد فعلتها انت فقد والله بتت في عضد ايامنا، وتركتنا يتامى في ساحة مولد ياهذا الصوفي
تركت احضان العاشقيك خواء
انت ورٌدنا ووِردنا
ياسمح يازين
من يغني للوطن المكلوم، مثلما غنت مهيرة تلهم الفرسان جيلا بعد جيل؟
من إلاك يا ...
آه وأنسكاب الدمع يشعلني ويشعلنا
كنا ننتظرك مع إشراقة صبح – بالنضال- يصبح
بلا سجان يصبح
بلا سجن يصبح
أه يا بلادي، آه يا وردي
سوات العاصفة بي ساق الشتيل الني
وفعل السيل وكت يتحدر ويكسح ما يخلي شي
ده كان (خبرك)
وكت حسيت وشفت الدنيا دارت بي
رحمك الله رحمة واسعة
بقدر ما اسعدتنا جميعا
وبقدرما كنت حادينا وشادينا وملهمنا في كل الأزمان العصيبة فليرحمك الله رحمة واسعة
عبدالله عبدالعزيز الأحمر
سان جيوفاني- ايطاليا

الأربعاء، فبراير 08، 2012

تزوير الإنتخابات ليس خطأ ضد مجهول!


( رسالة للسيدة أم سلمى الصادق المهدي)

محنة الشعب السوداني في فوات الربيع العربي لا يواسيهم فيها غير تتابع فصول السنة التي تأتي حتما بربيع آخر، لكن الصمت مهيب!
الكثير من المهتمين بتحليل هذا الجمود والصمت الرهيب في السودان - وهو احوج ما يكون للتغيير- إحتار دليلهم، فثمة من يرى بأن ثورات الربيع العربي كانت كفيلة بإشعال حماسة السودانيين للتغيير لولا تراخي وسلبية السودانيين، ثم يكتفي..
و الأمر - كما نرى ويرى  آخرون- لا يتوقف عند إدراك علة الجمود (السلبية) ولكن يتعداها لإدراك علة السلبية، لكي لا  نقول بجبن (السودانيين)  كما ردد ذلك المتظاهرون في جامعة الخرطوم: ( الشعب جوعان لكنه جبان!).
إذ من ناحية الجوع، فنحن نجزم بأن الشعب جائع بلا مزايدة، ثم نكتفي بذلك حتى نتبين اسباب صبره على الجوع والمهانة.
فالبعض يعلل سلبية السودانيين بضعف رابط  الإنتماء للوطن الكبير "السودان" كأحد تجليات ازمة الهوية لدينا، والإكتفاء بنزوع إقليمية تعالج المشاكل الكلية على اسس جزئية مناطقية تجسد الحل في مفارقة ركب الدولة والإكتفاء من ذلك بالإنفصال كما فعل الجنوبيون.
ولو سلمنا بأن الجنوبيين كانوا لا يتشاركون احساس المواطنة، ولا وعي الهوية الواحدة مع بقية اهل السودان الشمالي فهم قد اصابوا في تفسير الواقع وعجزوا عن تغييره واقتصدوا من ذلك على انفسهم مفاصلة للجسم الغريب المعتل (السودان الكبير)، ولكننا بصدد البت في أمر المتبقي من السودان، ولنا في الجنوب المنفصل آمال نمسك عن ان نذهب بها ابعد من حد التعاون البناء والإبقاء على ميزات المواطنة المشتركة بما تحفظه من حريات يعرفها الجميع بداهة.

ولكننا بحال من الأحوال لا نقدم ذلك على البحث عن حق الشعوب السودانية المتبقية في جسم السودان المتبقي عن هذه الحريات، وهم يفتقدون ادناها.
حرية الإقامة والتملك (المناصير مثال لعدم توفر ذلك الحق).
حرية الحركة والتنقل ( تأشيرة الخروج التي لا يعمل بها في بلد غير السودان مثال لعدم تمتع السوداني بذلك، والبوابات الأمنية التي تقطع جسم الوطن الواحد، تقوم دون ذلك)
فالأمر في جوهره ليس جبنا في الطبع، وفي مجمله ليس ضعفا في رابط الإنتماء (الهوية) ولكنه إلى ضعف رابط الإنتماء فقر وانعدام مخل للحس المعرفي بماهية ومزايا الديموقراطية، أي مشكل (إستنارة) وهو ما عبر عنه الأستاذ عبدالعزيز الصاوي بقوله: لا ديموقراطية بلا ديموقراطيين ولا ديموقراطيين بدون استناريين.
ونحن هنا لا ننعى على النخب السياسية تقاعسها في نشر ثقافة الديموقراطية بين شرائح المجتمع بقدرما نرجوا اكتمال الحس الديموقراطي لدى هذه النخب من مفهوم ووعي وإدراك إلى ممارسة وتطبيق على مستويات العمل كلها مرسية بذلك قيم الديموقراطية بلا مساومة او تنازل او حلول وسط في نفاذها ...

اقول هذا الحديث وبين يدي مقال للسيدة  أم سلمى الصادق المهدي، بعنوان "  في جنوب دارفور وكوستي: معارك في غير معترك!"
تتحدث فيه عن امر إقالة الوالي " عبدالحميد موسى كاشا" وتولية خلفه " حماد اسماعيل " وما تبع ذلك من صدامات حيث تقول:  لكن الأخبار التي رشحت بعد مظاهرات نيالا (من عدة مصادر)تؤكد  أن كاشا لم يكتف بنتيجة تلك الانتخابات المزورة ليستمد منها شرعيته  لكنه سعى لكسب ود الأهالي وهو ما يحسب له .
 خاصة أن الشعب السوداني شعب طيب لا يرفض من يتودد إليه وهو شعب متسامح يغفر غالبيته الأخطاء التي لا تستهدف شخصا بعينه (مثل تزوير الانتخابات)... انتهى حديث السيدة أم سلمى.

كما نرى فإن أم سلمى ترى ان تزوير الإنتخابات (خطأ) وهو في وقاع الأمر فعل لا يقل عن تصنيف (جريمة).
كيف يستوي ان يكون تزوير الإنتخابات "خطأ" وهو تعدي على حق شعب بأكمله؟
تزوير الإنتخابات هو تزوير لإرادة شعب وهو بالتالي جريمة في حق شعب بأكمله.
وهو جريمة في حق هؤلاء الذين تؤهلهم قدراتهم وثقة الناخبين فيهم ليكونوا في مواقع المسؤولية والحكم.
هذا جرم، أما الخطأ فهو ما وقعت فيه السيدة أم سلمى لأنها – قطعا- لا تقصد التهوين من أمر تزوير الإنتخابات ولا تقصد التقليل من شأن الديموقراطية والحكم الرشيد.
ولكنها دمغت الشعب السوداني بالطيبة التي يتحقق معها المغفرة في حق من زور الإنتخابات لعدم اختصاصها (كحق) بشخص بعينه! وهي إن لم تكن مخطئة في هذا فهي قد تحامت وصف الشعب السوداني بما يستحقه في هذه الحالة، وهي صفة كل جاهل بفداحة جرم التزوير لإرادة شعب لا يمكن ان تكون – بحال من الأحوال- التسامح ولا الطيبة..
وعندي أن مقالة السيدة أم سلمى تصلح كمدخل للحديث عن وعي الشعب السوداني بماهية الديموقراطية وموجوبيتها، وتصلح لأجل مناقشة فكرة "الطيبة" هذه التي يتصف بها الشعب السوداني!
وأرى من الأولى ان يجرى استبيان بين افراد الشعب السوداني، أو حتى بين قطاعات الشباب، حول قضية تزوير الإنتخابات، هل هي خطأ عابر أم جريمة لا تغتفر؟
مثل هذا الإستفتاء ربما لا يستقرئ رأي الشعب لو طرح بهذه الصيغة بقدرما يقدم من ايحاء خفي عن مطلوب الإجابة وفي هذا تنوير سريع وتعريف عام بفداحة جرم تزوير الإنتخابات، ومن يدري فلربما يبعث هذا التساؤل في قلوب السودانيين ما بعثته ابيات عمر بن ربيعة في نفس هارون الرشيد حين انشده ابو العود:  
ليت هندا انجزتنا ما تعد                  وشــــفت انفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحـــــدة                 إنما العاجــز من لا يستبد
ويقال ان الرشيد استوقفه في الشطر الأخير من البيت الثاني، وقيل أنه ظل يردد ذلك "إنما العاجز من لا يستبد" ثم قام من حينه على نكبة البرامكة المعروفة في التاريخ.
 تحياتي
عبدالله عبدالعزيز الأحمر
سان جوفاني- ايطاليا
8 فبراير 2012






الجمعة، يناير 13، 2012

مفهوم المجتمع المدني


الأخ محمد جمال الدين يثير فينا تساؤلا حميدا حول مفهوم المجتمع المدني وما أحسبه يرمي لإعادة تعريف المجتمع المدني - كما يبدو-  بقدرما يقصد لإثارة مفهوم المجتمع المدني في دواخلنا كي يبعث فينا كل التساؤلات الملحة عن وجود مادي لـ " مجتمع مدني".
ولعله من ناحية أخرى يتساءل عن مدى إيماننا العميق بمدلولات المجتمع المدني!
وأستبعد أن تكون غايته مجرد التفريق بين المدلول الظاهري المجرد والمدلول الجوهري المادي، لكننا نعبر هذه المسافة في ذهن المتلقي سريعا كي نتدارك غاياتنا المنشودة.
إذ الإنسان بطبعه يميل للعيش في (كيانات بشرية) كما دلت على ذلك مسيرة آلاف السنين التي شهدت وجوده على كوكب الأرض، وتقفى علم الإجتماع أثر هذه التجربة الإنسانية العريقة ليحكم - بعد ذلك- بإجتماعية الجنس البشري فسمي إجتماع الناس (مجتمعا) وأختلف في أسباب هذه الميول الإجتماعية لدى البشر، حيث يرى "توماس هوبز" أن أصل الإجتماع البشري نتيجة منطقية لحاجة الإنسان لحماية مصالحه وتنظيمها تحت مظلة مجتمع يكون الفرد جزءا اصيلا فيه .
و يرى "جان جاك روسو" أن التجمع البشري يأتي كإستجابة لعوامل اقتصادية.
و يعنينا ان نضع تعريفا واضحا لـ "المجتمع المدني"  لغة وإصطلاحا، إذ المجتمع المدني لغة يتكون من مجتمع - بغض النظر عن دواعي إجتماعه- وبين المدنية التي هي من الحضر، بهذا فالمجتمع الحضري هو مجتمع مدني ولعلنا - لذلك- نرى أن أفلاطون قد أسس جمهوريته في المدينة الفاضلة، فهي مدينة من حيث الحضر وهي فاضلة من حيث مثالية القيم التي يراها أفلاطون...!
أما المجتمع المدني إصطلاحا فهو تعريف لا يمكن بلوغه دون الفصل - مؤقتا- بين الشعب والذي هو أحد مكونات الدولة بمعناها الشامل وبين الدولة (الحكومة)، ثم نمايز بين الدولة (الحكومة) ممثلة في آليات الحكم "مؤسسات حكم" وبين الشعب  ممثلا في مؤسساته المدنية، ليقوم الفصل التام والجوهري وغير المؤقت بين الدولة ومؤسساتها من ناحية وبين المجتمع ومؤسساته من ناحية اخرى.
و يكتفي بتسمية مجتمع مدني للدلالة على مؤسسات المجتمع غير الربحية وغير الحكومية ممثلة للشعب وكأنها هي المجتمع المدني ذاته لأرتباطها الوثيق والمباشر بالمجتمع تتقدمه في التنظيم والتخطيط ويتقدمها في الحركة والنشاط.
والحاجة ملحة - هنا- لتمثيل المجتمع من خلال مؤسسات كالتي ذكرنا لسببين:
أولهما: أن طاقات المجتمع "كل المجتمع" تذهب هباءا لو لم تنظم تحت لواء مؤسسات ضابطة و متخصصة تؤطرها و توجهها "كواجبات" وترعاها وتحميها "كحقوق"
والسبب الثاني هو داعي الإعتراف بأن الدولة " كجسم حاكم" فهي "مؤسسة حاكمة" - بغض النظر عن كونها مجموع مؤسسات منفصلة الصلاحيات و متكاملة (دولة ديموقراطية)، أو أنها مؤسسة أحادية (دولة اوتوقراطية) – فإنه يصعب في الحالين خطابها بشكل عفوي ساذج من قبل كل جماهير الشعب في شؤون الحياة الواسعة دون الحاجة لشكل من أشكال النظام، عليه فلا بد من وجود الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والإتحادات والروابط المهنية والثقافية والجمعيات والفرق الرياضية والمنتديات كلها من أجل تنظيم وتطوير أداء المجتمع.
وكما سبق فإني لا أتردد في إدراج الأحزاب السياسية تحت لواء منظمات المجتمع المدني لطبيعتها غير الربحية ولحيوية دورها في تطوير الحياة العامة دون الحاجة لأن تكون جزءا من الجهاز التنفيذي الحاكم ( لو أن احزابنا تدرك!!)
ولو كانت المجتمعات المتحضرة قد استبدلت الولاء القديم للقبيلة و الإثنيات والطوائف بالولاء لمثل هذه التجمعات الحضرية الحديثة فإن تراجع أداء هذه المؤسسات وانحسارها في أي مجتمع بشري وفي ظل حاجة الإنسان المستمرة للمظلة الجماعية يرتد به للروابط التقليدية فينحاز لمعهوده القديم في القبلية والجهوية مرة اخرى، بما في ذلك من ثوائر العصبية وروح الصراع.
يبقى أن نذكر ان دور هذه المؤسسات يمثل رافدا اساسيا للحراك المجتمعي ورقيبا وموجها وصانعا - احيانا- للسياسات العامة في الدولة من خلال تقييم وصناعة التوازن بين سلطة الدولة من جهة والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى ما يفسر جدلية العلاقة بينها وبين  الحكومات غير الديموقراطية بأشكالها المتعددة، إذ غالبا ما تلجأ الحكومات الشمولية لتحجيم نشاط مؤسسات المجتمع المدني و تقليص دورها في المجتمع وقد يبلغ الحال ببعض الحكومات ان تعمل على خلخلة هذه المؤسسات وتفتيتها بشكل فادح ينتج عنه ردة عنيفة لروابط العصبيات الجهوية والموروث القديم فينفرط عقد الدولة ويستحيل - عندئذ- التحاكم لأي منطق في غياب العقل الجمعي المنظم لرغبات المواطنين والمتمثل في هذه المؤسسات، والتجارب كثيرة في العالم وفي بلادنا السودان تخصيصا والتي يكاد الصراع فيها ينتهي لدعاوى جهوية رغم وجود أجسام مؤسساتية كثيرة غير فاعلة ومشلولة تماما جراء التضييق والمحاصرة وليس أدل على فشل السودانيين في التحاكم لمنطق يجمعهم من من شرزمة الأحزاب (بفعل الحكومة) إلى أجسام قزمية كثيرة عديمة البرامج والملامح وفاقدة لثقة المواطن والحكومة تحسب ان في ذلك خير!
وهل أشر من أن ييأس الموطن من قطاعاته المستنيرة ثم لا يجد بعد ذلك من طريق؟
أخيرا، إذا كانت الشفافية والديموقراطية والحرية وحكم القانون وتكافؤ الفرص واستتاب الأمن وتقديم الخدمات هي معايير نجاح الدول فإن وجود مؤسسات مجتمع مدني هو الدافع والضامن الأول لترقية الأداء في تلك المقاييس، بل وإن وجود منظمات مجتمع مدني كالمؤسسات البحثية ومراكز الدراسات هو السبب الرئيس في وضع هذه المعايير.
ولو نظرنا لتاريخ العالم الإسلامي الذي امتد لحوالي خمسة عشر قرنا من التنازع والحروب لنتساءل عن وجود أجسام " مجتمع مدني" هل ترانا نجد شيئا من ذلك او هل عسانا نعثر حتى على مؤسسات أو مرجعيات دينية تقوم مقام مؤسسات المجتمع المدني في دولة إسلامية يحكمها "الخليفة" وأمير المؤمنين؟
اتمنى أن يتاح لي أو لغيري البحث في هذا الموضوع، كما ارجو ان يتاح لنا جميعا المساهمة في تنمية الوعي بأهمية وحيوية الدور المناط بمؤسسات قد نكون نحن جزء منها بوعي وبلا وعي.
تحياتي