الصفحة العربية الرئيسية

الخميس، يوليو 21، 2011

الحرية والديموقراطية اولا ..

عندما ينفسح المجال للجميع فالكل يدلي بما يرى ويعتقد حسب قدراته الفكرية ونواياه وبذلك تتلاقى الأفكار فيطرح بعضها بعضا بقوة المحجة.
ارمي كثيرا لإقتصاد القول في موضوع مجزؤ دفعني ليس للرد على كاتبه ولكن للعودة بالنتائج والجزئيات لأسبابها والكليات.
كتب الأخ "زين العابدين صالح عبد الرحمن" تحت عنوان  "سياحة فكرية مع جهاز الأمن والمخابرات" مقالا عن ان جهاز المخابرات والأمن العام في السودان كغيره من أجهزة المخابرات في عالمنا المتراجع القابض على الحريات يعمل على حماية النظام ويكتسب سيرة سيئة بين الجميع بحيث يتحاماه كل حريص على سمعته وبراءة تاريخه من دنس.
ثم يطرح أخانا - وفقه الله- أسئلة ثلاث عن اسباب السيرة الرديئة لجهاز المخابرات عندنا ويتسائل عن العلاقة بين هذا الجهاز ونظام الحكم ثم يختم بسؤال ثالث أخير مفاده ان هل يستطيع جهاز الأمن والمخابرات ان يؤدي دورا إيجابيا في السودان خصوصا والقارة الإفريقية عموما؟
ثم يعني نفسه بالبحث عن الإجابات لفرضياته تلك ولست انعى عليه جهده المهدر في إجتزاء القضية والإيغال في تشريحها لو قدرت ان مراده هو خير البلاد والعباد.
لكني استدرك عليه مقولته حسنة النية حين يقول: (ان يعيد هذا الجهاز بعمله للسودان دوره الريادي في المنطقة العربية والإفريقية).
ولو كنت في مقامه لأستحسنت عبارة اخرى تقول: أن يصنع للسودان دورا رياديا في المنطقة العربية والإفريقية.
إذ كفانا توهما لماض باهت نعده ليس كذلك وندعي - دون دليل- ان كان لنا دور رائد عربيا وإفريقيا، ونحن لم نكن كذلك ونحن أدعى ما نكون لمصابحة الحقائق ملء أعيننا كي نستفيد من مواطن الخلل.
ثانيا اضيف للسيد الكريم الذي ينعى على جهاز المخابرات والأمن العام لدينا توسعه في العمل ضد المواطنين والأحزاب المعارضة ونشطاء المجتمع المدني اضيف لمقاله (حميد النية) هذا ان المطلوب الأسمى لدى كل ذي أمل هو إحلال نظام ديموقراطي.
إنتزاع نظام القمع والتضييق القائم اليوم، وإحلال نظام ديموقراطي محله.
وأهل السياسة ومتتبعيها يعرفون الفرق بين الحكومة والنظام كي لا اطيل الحديث.
ثم نأتي لتفصيل مقتصد في شأن مستقبل أجهزة وطنية كجهاز الأمن والمخابرات والقوات المسلحة ومفوضية الإنتخابات والمؤسسات القضائية والدستورية والكثير من المفوضيات القومية التي تتشكل في ظل النظام الديموقراطي.
هذه المؤسسات معلومة الأهداف والتركيبة وطريقة العمل، لكننا نخطئ لو انتظرنا نجاحها بشكل سريع حتى في ظل نظام ديموقراطي متكامل وذلك بداهة يعود لطبيعة تشكيل هذه الأجهزة وما شابها من تغلغل للعناصر الحزبية والعشائرية واستبعاد العناصر الوطنية منها في ظل نظام الإنقاذ وما يمكن ان نتوقعه من تسلل عناصر مضادة للإنقاذ لمراكز القوى في هذه الأجهزة لتحجز مكانها في هذه الأجهزة التي استفردت بها سلطة الحزب الواحد.
عليه لا يمكن بحال من الأحوال وضع هذه الأجهزة والهيئات في المسار الصحيح إلا بكثير عمل وإجتهاد وصبر وإدراك لطول الطريق.
وكل حديث عن التركيبة الحالية لجهاز الأمن والمخابرات او طريقة عمله أو تمني تحسنه او حتى إقتراح طرق الخروج من النفق الذي ادخل فيه البلاد، فكل ذلك عندي من قبيل مضيعة الوقت إذ كيف  يستقيم الظل والعود اعوج!
ولعل من الطريف ان شكل جهاز الأمن والمخابرات كجهاز يمتلك التفويض ليس فقط في جمع وتحليل المعلومات وتقديمها لجهات الإختصاص وإنما يمتلك عناصر الضبط والإحضار وهلمجرا.
ولقد أهدرت العديد من الأحزاب بما فيها الحركة الشعبية – في سجالها مع المؤتمر الوطني- زمنا هذ الشأن.
ويبقى لي وللجميع ان نصوب أنظارنا صوب الحرية.
لابد لنا من أن نصنع الحرية بالثورة على كل وجوه القهر والتضييق والظلم الذي تمارسه حكومة الإنقاذ وكل من يؤيدها.
لابد لنا من تحقيق الحرية.
وبالحرية والفكاك تتحلل المشتبهات لعناصر بسيطة يدركها كل ذي عقل ولا يستعصي على الناس إلا أمر التراكمات في أجهزة الدولة العديدة وبكثير من العمل والمثابرة والصبر نستطيع ان نؤسس قواعد سليمة للأجيال القادمة تبني عليها وتصعد بالسودان لمقام افضل يتمناه كل مواطن سوداني.
وقبل الختام تحية لشاعرنا محجوب شريف حين يقول ( حنبنيهو)

حنبنيهو..
البنحلم بيهو يوماتى
وطن شامخ
وطن عاتى
وطن خيّر ديمقراطى

وطن مالك زمام أمرو
ومتوهج لهب جمرو
وطن غالى
نجومو تلالى فى العالى
إراده
سياده
حريّه
مكان الفرد تتقدم..
قيادتنا الجماعيّه
مكان السجنِ مستشفى
مكان المنفى كليّه
مكان الأسرى..
ورديّه
مكان الحسره أغنيّه
مكان الطلقه
عصفوره
تحلق حول نافوره
تمازج شُفّع الروضه

حنبنيهو
البنحلم بيهو يوماتى
وطن للسلم أجنحتو
ضدّ الحرب أسلحتو
عدد مافوقو ما تحتو
مدد للأرضو محتله
سند للإيدو ملويّه
حنبنيهو..
البنحلم بيهو يوماتى
وطن حدّادى مدّادى
ما بنبنيهو فرّادى
ولا بالضجه فى الرادى
ولا الخطب الحماسيّه
وطن بالفيهو نتساوى
نحلم..
نقرا
نتداوى
مساكن
كهربا ومويه..
تحتنا الظلمه تتهاوى
نختّ الفجرِ طاقيّه
وتطلع شمس مقهوره
بخط الشعب ممهوره
تخلي الدنيا مبهوره
إراده
وحده شعبيّه


إيطاليا – بوفي
18 يونيو 2011

هل نحن على موعد مع سودان كبير؟


أخيرا يتحرر السودانيون من عقدة الجغرافيا التي ظلت تلاحقهم لأكثر من نصف قرن بصفة وطنهم الكبير عربيا وافريقيا وكأنها  - بذلك- تحملهم عبأ لا يد لهم فيه ولا طاقة لهم  به، فتبا لـ "للإنجليز" الذين رسموا لنا بلد المليون ميل مربع..!
لقد ظل هذا الوطن الكبير (جغرافيا) عبئا ماديا واخلاقيا ثقيلا على كل منتم إليه أن هل هو كبير حقا؟ وظلت هذه العبارات تحمل في معانيها تأنيبا مبطنا لكل الأنظمة الحاكمة وكل النخب الفاعلة ولكل جدوى عمل ولكل صباح تشرق فيه شمس على فعل سوداني.
لكن عبارات الوطن الكبير المترامي وخيراته المتناثرة وتنوع متساكنيه وثراء موروثاتهم وعراقة امتداداتهم في جوف التاريخ جعلت تتردد بشكل منهجي غريب لم يخلق تشريفا بمستوى ذاك التكليف بقدرما أسهم في خلق عقل باطن مشحون بحقيقة الوطن الكبير دون تعريف دقيق لماهية ذاك الكبر (بضم الكاف)..
لقد كانت قسمة الجغرافيا في غير محلها إذ اورثتنا وطنا كبيرا، أكبر من استيعابنا لحساسية التعايش على ارضه وإرساء قواعد السلم والتلاق البناء عليها.
من حيث كنا في أمس الحاجة لنخبنا المستنيرة وحكوماتنا ان تمهد لنا طريق العمل الجماعي من أجل هذا الوطن الكبير لكن النخب استنفذت مقدورها في مناهضة الحكومات العسكرية التي استهلكت قرابة الخمسة عقود من عمر الإستقلال في قمع الشعوب.
وكأن الجميع فقدوا بوصلتهم بعد رحيل المستعمر عن أرض الوطن ( الكبير) وكأن الإستقلال كان في حده الأعلى يعني الإستقلال من أجل الإستقلال.
فكان وطننا كبيرا بحجم الفشل الذي في دواخلنا وكان وطنا غائبا عن الوجود على امتداد الغيبوبة التي لازمت تفكيرنا في نصف قرن من زمان.
لم نكن نستحق هذا الوطن الكبير إذ اتكأنا لأكذوبة أننا البلد الأعظم محليا على وزن الأكبر جغرافيا، نتخيلها في أحلام يقظتنا!، ولا نمايز بين عظيم وكبير ولا نفرق بين كبير جغرافيا وكبير على مستوى دولة وشعب وحضارة.
إننا يا أخوتي نتحمل جميعا نتائج هذا السقوط الجماعي عندما نفتح أعيننا على هذه الحقائق التي لا يمثل إنفصال الجنوب إلا فصلا من فصولها ولعله يمثل نقطة  الوصول لقاع الهاوية كي ندرك أننا أمام خيار واحد هو العمل من أجل الصعود.
و يذكرني مانحن عليه من فشل مقالا مفيدا قرأته في الأيام القليلة الماضية للأستاذ بدر الدين الهاشمي بعنوان" السودانيون: هل صاروا أسرى للماضي؟" وكان يتحدث فيه عن العقلية السودانية المشبعة بالتذكر للآفل من مسرات وتقييد الجمال كل الجمال في المنصرم من ليالي، وأيام، ثم يمضي في مقالته حتى يبلغ درجة الحكم بأن الأجمل هو مالم نشهده بعد حين يقول: لا تكاد تجد من يقول للشباب أن أجمل الألحان هي التي لم توضع بعد، وأن أعذب الشعر هو الذي ينتظر التأليف وأن أعظم القص هو الذي لم يطلع عليه الناس بعد!
هذه كانت نظرته لعقليتنا التي اتكأت لتمجيد الماضي طويلا في غير استشراف لمستقبل زاهر يأتي بإعمال العقل والثقة في النفس والمحاولة وتكرار المحاولة من أجل بناء جديد أجمل، واستطيع ان ازن على ذلك ان السودان الكبير الذي نتخيله هو السودان الذي لم نصنعه نحن بعد.
وأن لو كان لفصل جنوب السودان عن شماله من حسنة نجنيها فهي اسقاط البعد الحغرافي عن السودان بشكل نهائي وربما حتى اسقاط اسمه، ويبقى للسودانيين وطن صغير بكل المقاييس الجغرافية والوجودية، فهم بذلك أمام تحدي صناعة الذات في ان يكونوا أمة كبيرة ووطنا كبير او يظلوا كما هم، ومن ناحية أخرى فالإنفصال يزيل عن كاهلنا عبأ الجغرافيا وسوف لن يتهكم بنا الآخرون - ضمنا-  بقولهم أن السودان اكبر دولة عربية وافريقية...
لقد أعادتنا اتفاقية نيفاشا وانفصال الجنوب لحجمنا الحقيقي اخيرا ...
والسودان الكبير هو السودان الذي لم نصنعه بعد، والحضارة الفريدة في بلادنا هي الحضارة التي لم نرسي دعائمها على الأرض بعد بل ويتشكك الناس من حولنا في قدرتنا على صناعتها.
السودان الكبير هو السودان الذي لم نصنعه بعد.
والسودان الصغير هو السودان الموجود الآن!
عفوا بعد الرابع عشر من فبراير!
فهل نحن على موعد مع سودان كبير؟

طرابلس – ليبيا
غوط الشعال- شارع 10
22. 01. 2011

ثم ماذا أيها السودانيون؟؟ .


هلي لي من وقفة استشراف على اعتاب يوم التاسع من يناير القادم إذ تستهل عملية الإستفتاء - غير المسبوقة-  خطواتها عمليا؟
 لو كان لي ذلك فلا أظنني سوف استنكر على اخواننا في الجنوب ممارستهم لحقهم الطبيعي في إعادة تعريف ذواتهم جغرافيا واثنيا وثقافيا بالشكل الذي يرتضون على ان يكون استشرافهم للمستقبل مبنيا على رؤى وضيئة لخبايا السياسة والإقتصاد والإستراتيجيا وقد لا تخلوا ولن تخلوا قطعا من بناء على تراكمات ثقافية واقتصادية وسياسية سالفة ارجو ان تكون بعين الدراية والتحليل المنطقي وليس الغبن والإنتقام وعقدة التظلم والمؤآمرة البليدة التي تورثنا جميعا اتكائة كسلى على حيثياتها عندما نرتب افكارنا الحاضرة فننظر لها بعين وجلة ثم إذا استشرفنا المستقبل كنا ايضا نرميه غيبا بعدم الجدوى لذات المؤامرة الخارجية.
دعوتي هذه للأخوة الجنوبيين ليست إلا كلمات وداع رقيق لإخوة لنا شاركونا ارض الوطن المضطرب علاقة قلقة هنا وهناك وكنا جميعا نرجوا ان ينصلح حالنا السياسي والإقتصادي والفكري بحيث يقوم على دور التخطيط والبناء في بلادنا أهل الدراية والعلم بالشكل الذي يحفظ الحقوق  ويوزع  الواجبات على نحو من العدالة والمساواة فندرك بعد ذلك هل كان تعايشنا معهم يمضي  لذات المصر؟.

اما سؤالي الذي يمثل عنوان مقالتي هذه فهو مصوب نحونا نحن في الشمال..
بعيدا عن (هدربات) رئيسنا الذي اصبح يطلق التهديدات مرة بتعميم الشريعة الإسلامية ارجاء البلاد وتارة اخرى بالقول أن ثروة الشمال من البترول تفوق ما لدى الجنوب وانجراره وراء هذه الهلوسات التي تنبي عن مستوى الرؤية لديه والتي تضيق زاويته كلما انفرجت زاوية الأزمة السياسية والإقتصادية والدبلوماسية عليه وعلى حكومته.
وبعيدا ايضا عن كثير من الإستجابات المتناقضة والتصريحات المتشاكسة التي يطلقها اقطاب الحكومة والتي تمثل انعكاسا لحالة القلق الفكري التي يعيشون والتي قد تؤدي بالبلاد لحالة تدهور أشد مما هي عليه اليوم.
لذلك فهذه دعوة لقطاعات المجتمع المدني وللقطاعات المستنيرة والمفكرة التي تقود زمام الفكر والسياسة  وتوجه الإستجابات أن تبتعد قدر الإمكان عن الحديث عن الوحدة الآن وقد فات اوانها، وأن لا تنظر لإنفصال الجنوب على انه نهاية الأشياء.

إننا ادعى ما نكون يا أخوتي للنظر في مستقبل السودان الشمالي كيف يكون بعد التاسع من يناير، إذ لابد للحالة السياسية في البلاد من ان تنفرج نحو الديموقراطية، والحرية، ولابد للشعب من أن يقف على الحقائق المهمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتكنلوجيا بعيدا عن التعميم والتعتيم المنهجيان اللذان مورسا بمقادير متفاوتة من قبل الجميع حكومة ومعارضة.
لابد للشعب السوداني (المتبقي) ان يعي ويعمل على تحقيق ذاته الثقافية والفكرية والإقتصادية والسياسية من خلال رفض كل الأفكار التي تعيد تركيب أزمة الهوية من جديد في اطراف اخرى من السودان من خلال الفهم الخاطئ لإنفصال الجنوب على انه الحل النهائي لمشكل الهوية والتنوع، والتوهم بأن السودان الآن اصبح عربيا مسلما خالصا!
هذه أفكار مأسوف عليها سلفا غير أن الحيادية تجاهها قد تؤسس لنزيف جديد للجرح السوداني.
الشعب السوداني اليوم في حاجة للوقوف على حقائق اكثر أهمية من كونه يعايش ازمته يوما بيوم، وهي ان يعرف الشعب السوداني اين تقف قدماه على الخريطة العالمية اليوم، فالشعب السوداني لا ينقصه توفر المياه الصالحة للشرب والتعليم والصحة والمأوى والغذاء الصحيين فحسب – وهي احتياجات ابتدائية – ولكنه ينقصه ان يضطلع على حال الشعوب من حوله كيف تطورت وتقدمت في ظل الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة..

ليس الأمر رهينا اصلا بقوى اسلاموية تسوق تجارة الدين على المنابر على ان الإسلام هو الحل، وليس الأمر وقفا على شريعة او انعدامها بقدرما أنه رهين عدالة ومساواة في الفرص وفصل للمؤسسات والأجهزة تتحقق في ظل ديموقراطية تنبني في أجواء حرية تؤخذ مناكفة ومعارضة وعصيانا بالكلمة وبالموقف وبالتظاهر والإضرابات وبكل الوسائل الممكنة بعيدا عن إستخدام السلاح وذلك حفاظا على أرواح المدنيين أن تتلقفها نيران آلة الحرب التي يسخرها نظام الإنقاذ ضده.
لابد من ان نشعل كل الممكن من عصيان مدني ورسمي بين قطاعات تؤمن بالحرية والديموقراطية والتعايش حتى نحقق الفكاك من ايادي هذا الإستعمار الجديد.
هذه دعوتي يا صحاب من أجل أن يواصل الجميع التخطيط للحياة، للزراعة والرعي والصناعة والتجارة البينية والدولية وتصدير المنتجات الطبيعية وفقا للمعاير الدولية وان نتبنى نظرية تعليمية تطور ممتلكاتنا الحقيقية وان نستفيد من اسوأ حدث فتت بلادنا لصالح بلادنا وان نعد مزايا لا يخلو منها فصل الجنوب - على مرارته -  ومنها امتداد حدود دولة الجنوب من الجنوب الشرقي حتى الجنوب الغربي والتي تغنينا عن حدود دولية غير مستقرة سياسيا وامنيا، وهي من ناحية ستضعنا أمام ازمتنا الحقيقية للهوية وللثقافة والدين كسودانيي شمال، إما أن نعترف بها للمرة الأولى ونتعامل معها كقطاعات شعبية ورسمية أو أن نمتحن بها مرة أخرى في اطراف اخرى لديها من الأسباب ما لا يقل عما لدى الأخوة في الجنوب كي يطالبوا هم ايضا بالإنفصال.

إننا الآن احرى مانكون لعدم  استسهال الأشياء اخوتي والذي إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة فكرية عامة ومراهقة سياسية خاصة بالذين شهدوا فجر الإستقلال الأول ورسموا لنا مسارات الفشل التي اوصلتنا لما نحن عليه الآن، لا فرق بين ما يقول به رئيس النظام الآن من إصباغ صفة العروبة على جسم السودان المتبقي الآن وما ادعته قيادات الخمسينات من ان السودان بأي حال من الأحوال ليس إلا دولة عربية، إننا قد لا نغفر لجيل المائدة المستديرة ومن تلاهم ممن قطعوا علينا اواصل التلاقي الثقافي الذي يمثل تمازجات الحواضر والإثنيات المختلفة لسودان كبير واختزلوها في وعاء عروبي يضيق بها ويزدريها ويهمشها، لكننا –ابدا- لا يجب ان نقف عند السخط عليهم بقدرما نمنع عودة ذلك السيناريو البائس على النحو الذي يريده البشير اليوم، لا أدري من أي معين ينهل هؤلاء؟
أو من هم؟
أو من أين أتو؟

البشير اليوم يريد أن يعود بنا للوراء نصف قرن من زمان كي يخط لنا درب الفشل الجديد...
لكننا نشعل شمعة ياصحاب اليوم، من أجل السودان المتبقي نشعل شمعة تضيء للجميع لجنوب جغرافي جديد نعرفه بعد تجليات التاسع من يناير، وشرق وغرب وشمال...
لابد لجميع قطاعات العمل السياسي والمجتمعي في السودان ان تدفع في هذا الإتجاه، بعد إنفصال الجنوب من أجل إقامة علاقات ودية مع دولة الجنوب الجديدة ومحايدة تماما إزاء قضاياها الداخلية، ومحايدة تمام إزاء كل الجيران المتبقيين....
وقد لا اضيف جديدا لو وافقت بعض قيادات الحكومة الحالية الرأي في ان السودان الشمالي يملك من أسباب الوقوف ما يكفيه، ولكن بشروط جديدة نستصحبها دون استسهال...
بشروط جديدة فقط نستطيع ان نبني وطنا آمنا يا صحاب...


1/1/2011
طرابلس- ليبيا

ثورة الشعب التونسي وسيناريوهات الإجهاض

قراءة للواقع المحلي والإقليمي والدولي


تساورنا المخاوف دائما على ثورة الشعب التونسي من أجل الحرية ان تضل طريقها، بالأمس كتبت في ذات السياق عن ان الثورة التونسية كانت شعبية بإمتياز بعيدا عن كل الإيعازات النخبوية وكنت أعدها من مسببات النجاح وهي كذلك لكنها قد لا تكون كذلك عندما نتحدث عن الحفاظ على الثورة واهدافها العامة التي تكمن في الحرية والخلاص من نظام القمع بشكل نهائي، لذلك فنحن نخشى على هذه الثورة من مهددات كثيرة تجعل إمكانيات عبورها بسلام نحو تغيير شامل محفوفة بالمخاطر.
وتتدرج المخاوف عند تحليلها صعودا من مرحلة التآمر الداخلي المتمثل في إثارة الفوضى البنآءة والعنف وأعمال والنهب والتي تعطل النشاط الإقتصادي وتشل قدرات البلاد الإقتصادية وتشوه صورة الشارع العام وتثير الشكوك كل الشكوك حول جدوى الحراك الشعبي إلى الإلتفاف على الثورة  من خلال عودة  بعض طوابير النظام المخلوع للحكم متحصنين بحجج كثيرة من ضمنها الدستور القائم و الذي لا يمكن بحال من الأحوال احترامه او البناء عليه كمرجعية سياسية وقانونية في تشكيل حكومة انتقالية تدير شؤون البلاد بإعتباره دستورا إقصائيا  يلغي وجود العديد من التنظيمات و الأحزاب المدنية ويحرمها من ممارسة نشاطها السياسي العام، إذ كيف يستقيم إقصاء بعض الأحزاب والتنظيمات عن المشاركة في إدارة شؤون البلاد وثورة الشعب التونسي قامت من أجل القضاء على الإقصائية والدكتاتويرية؟
وكيف إذا كنا سنشرك الكل أن نتحاكم لدستور لا يعترف بهذا الكل؟
الأمر الثاني الذي نخشى منه هو عدم ممارسة الأحزاب التونسية للعمل السياسي بشكل منهجي جراء العزل والتضييق الذي غيبها عن دواوين الحكم طوال المرحلة الممتدة بعد استقلال تونس ونخشى ان تكون خبرتها الرقيقة في هذا الشأن مدعاة للقصور وعدم الكفاءة في إدرة شأن البلاد.
المهدد الثالث - ونحن نتدرج في استشعار مكامن الخطر صعودا - يتمثل في العامل الإقليمي وفي دول الجوار المغاربي شرقا وغربا والتي تتوجس كثيرا من تجليات الثورة الشعبية في تونس ويضيق صدرها بدولة ديموقراطية تشاركها الجوار جغرافيا وثقافيا وعرقيا، هذه الدول لم ولن ترحب بالقادم الجديد وقد تعمل بشكل أو بآخر على محاربته.
المهدد الرابع يأتي من تلقاء الشواطي الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، من أوروبا خصوصا والغرب عموما الذي طالما غض الطرف عن ممارسات الطاغية المخلوع غير الإنسانية وتضييقه على الشعب التونسي وذلك لخبرته وكفاءته العالية في محاربة التيارات الإيدلوجية في البلاد.
ولو تأملنا بعض التجارب في منطقتنا سنجد أن للديموقراطية مفهومين متناقضين في ذهنية الغرب وهو ينظر إلينا، حيث أنهم يعرفون الديموقراطية بجسمها المعافى الكامل لديهم ولكنهم يرفضونها كاملة لدينا لأنها تأتي أحيانا بالتيارت الراديكالية لسدة الحكم، أليس ذلك تعبير عن نبض الشارع وراي الشعب ؟
لكنه في مثل هذه الحالات يكون رأي الشعب مرفوضا عندما يأتي بالقوى الأيدلوجية للحكم وليس تجربة حماس في فلسطين ببعيدة، وإذ لا أخشى على شعب تونس من تجربة حماس في غزة فإنني أعود بالنظر لتجربة الشعب الجزائري في مطلع تسعينات القرن الماضي حيث فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الإنتخابات وقامت الدنيا ولم تقعد وكأن فوز القوى الأصولية في الإنتخابات يبرر الكفر بالإنتخابات وبالنظم الديموقراطية التي تفرزها!.
إنني هنا لا ادلل على تدخل مباشر من دول غربية بعينها في عملية التحول في تونس بقدرما أشير لكثير من الرسائل الصارمة والتهديدات والتحذيرات المتوقعة التي قد ترد إلى كبار المسؤلين التونسيين بشكل أو بآخر من أجل إستبعاد بعض القوى عن المشاركة في النشاط السياسي العام في البلاد.
مثل هذه الرسائل قد تعود بتونس للمربع الأول في حال اصابت مطلوبها ولو لم تفعل فإنني أخشى على الشعب التونسي من محاولات التخريب والتدخل في إفساد كل العملية وإفقاد العملية السياسية بوصلتها وإدخال البلاد في حالة من الفوضى والتردي.
أرجو أن يعي جميع الساسة في تونس وكل قطاعات المجتمع المستنيرة ومن ثم جماهير الشعب التونسي ان القادم من أيام سيكون أشد بأسا من تفجير الثورة وإقتلاع الطاغية، فحماية الحرية في أرضنا تحتاج الكثير الكثير حتى ترسل الحرية جذورها في الأرض عميقا.
فتحية لنضال الشعب التونسي من أجل الحرية  أولا وأخيرا وليعلموا أننا معهم بقلوبنا وبكل ما نستطيع من بعد ذلك ولو بإبداء النصح وهو أضعف إيمان.

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
طرابلس ليبيا
16. 01. 2011

ثورة الشعب التونسي وإسقاطاتها على الوضع في السودان


أليس في ثورات الشعوب تكمن الحرية؟
قد أجافي الحقيقة – حتما – لو ادعيت ان ما جرى في تونس كان في تقديرنا يرقى لدرجة اقتلاع نظام ارسل جذوره عميقا في الأرض ودق اوتاده عبر سياسات القمع المنهجي المنظم بواسطة وسائل الأمن المختلفة.
ولكن وكما قال الترابي في احد محاضراته منتصف الثمانينات في جامعة الخرطوم إثر انتفاضة ابريل عندما اتيح له ان يخاطب جماهير الطلاب في جامعة الخرطوم، وسمع التهليل والتكبير قال: ماكنا نحسب اننا سوف نحيا ونسمع مثل هذه الأصوات ولكن يبدو ان إرادة الله كانت اقوى!
فعلا يبدو أن شيئا ما كان يخفى علينا جميعا، وهو أن إرادة الله كانت اقوى ومن ثم إرادة الشعوب!
إن ما يجري في تونس هذه الأيام فعلا يحتاج لكثير من التحليل والنظر لرمزيات عديدة لا ادعي انني اجملها في مكتوبي هذا قدرما أحاول - جاهدا -  ان اتلمس ما استطعت منها، ولعل ما يثير الإنتباه والملاحظة والدهشة في ذات الوقت هو ثلاثية  اللانخبوية واللافلسفية المطلبية ودراماتيكية الإنهيار غير المتوقعة في ثورة الشعب التونسي، فالثورة التونسية كانت:
-         ثورة شعبية سابقة للنخب السياسية وغير متأثرة بها.
-         ثورة ذات سقف مطلبي محدود ثم مالبثت ان تطورت في رفع سقفها للإطاحة برأس الدولة.
-         ثالثا أن القوة المتوهمة من قبل الجميع للنظام وتماسك رأسه كانت اكبر من قواه الفعلية.
هذه الدلالات الثلاثة هي التي تعنينا في تحليلنا للشأن التونسي وإسقاطاته على على الوضع السوداني الذي يبدو مركبا بشكل اكبر.
فكما ذكرنا فإن ثورة الشعب التونسي حال انطلاقتها كانت ثورة تلقائية غير مرتبطة بإيعازات نخبوية سياسية  حزبية وهذه ربما تفسر أسباب النجاعة والتوفيق الكبيرن اللذين رافقا هذه الثورة إذ أن محاولة تثوير الشارع العام عن طريق القوى السياسية في احيان كثيرة تصطدم بعقبات أمنية تحول دون النخب المراقبة والمضيق عليها وبين جماهير الشعب علاوة على حاجة مثل هذه المحاولات لحركية فاعلة و كبيرة من كوادر العمل السياسي تجاه جماهير الشعب.
إذا فهذه نقطة مهمة ساعدت ثورة الشعب التونسي في التفلت والنجاعة من حيث لم يتوقع لها ذلك.
ثانيا أن سقف المطلوبات كما ذكرنا كان محدودا بمسببات الإضطراب وهي توفير فرص العمل او عدم التضييق على قطاعات الشعب  في اكتساب لقمة عيشها بعيدا عن القمع والمطاردة الأمنية وهذه التفلتات عادة ما ينظر إليها على انها حركات معزولة وعابرة، والأمر الأخير هو إفراط الثقة في النظام الحاكم والذي يعد على الناس انفاسهم كما يقولون، إذ اشتهر النظام في تونس بقدرته العالية على القمع وتجفيف منابع العمل السياسي ومعاداة كل نشاط يدعو للحرية، لكنه أنهار في شخص الرئيس مما ضيق فرص إستمرار النظام.
بدون شك ان شعب تونس ظهيرة الجمعة قد ألهم شعوب العالم  المقهورة على امتداد آسيا وافريقيا وصولا للقارة الأمريكية ، وارسل في نفوسهم أملا جديدا في التغيير وفي الثورة وفي الحياة، لذلك فإن الشعوب كلها تطلعت لهذه الثورة والأنظار جميعها صوبت نحو هذا الشعب.
إننا في ظرف تاريخي كالذي تصنعه جماهير تونس نرجو أن لا تختطف ثورة الشعب من بين اياديهم، فالثورة في تونس تنسب لعصيان جماهير عريضة على امتداد أرض تونس ولا يمكن بحال من الأحوال ان يتبناها كائنا من يكون، حزبا كان او تيارا او شخوص، والفضل من بعد الله ومن ثم نضال الشعب التونسي فإننا نشيد بوقفة رموز النقابات العمالية والإتحادات والتي يفترض فيها دائما الإنحياز لنبض الجماهير.
ثم نعود لنا...
نعود لمحنتنا في سوداننا الذي نام كثيرا والصبح يطرق الأبواب.
لجماهيرنا التي اقعدتها الإعتبارات الثلاث التي لم تجد محلا في قاموس الفهم التونسي، فبساطة المطالب في تونس ثم تصعيدها فجأة لتطال رأس النظام بل والنظام كله، ومعروف عن الشعب التونسي انصرافيته عن شؤون السياسة والحكم لكن أمر السياسة لامس لقمة عيشه فكيف لا يهب من أجل إقتلاع النظام الذي ضيق عليه حتى سبل ارتزاقه؟
أما نحن ففي تفكيرنا تركيب وتعقيد وفلسفات بينما نحن نفتقر لأدنى مسببات الحياة وقوامها ولو قورن امرنا المعيشي لإخواننا في تونس فنحن احق منهم بثورتهم هذه ولو كانوا في قدر فلسفاتنا وتنطعنا في امور السياسة وانغماسنا فيها فلربما كانوا اشعلوا ثورتهم هذه منذ خمسينات القرن الماضي.
إذا فنحن اليوم احرى ما نكون للإفادة من حراك الجماهير في تونس من أجل الخروج والمطالبة بأدنى الحقوق والبقاء في الشوارع حتى التغيير.
أما الضلع الثاني في المثلث المذكور فهو القوى السياسية والتعويل عليها وقد أثبتت الأيام أن قوانا السياسية غير قادرة على إخراج مظاهرة  احتجاج سلمية ضد النظام ابان الإنتخابات الأخيرة وبدى للجميع ضعفها وهوانها على الناس (السودانيين) وكيف لا وهم لا يملكون الإرادة السياسية التي توحدهم في ظل اصعب الظروف من أجل إخراج خطاب موحد بإسم الشعب فهل من مرتجى في نخبة كهذه؟ مع أننا لو قارنا أمر الأحزاب لدينا إلى رصفائهم في تونس لوجدنا عجبا إذ الفكر السياسي السوداني بتاريخه العريق وأحزابه التقليدية والحديثة ونشاطهم وارتباطهم بالأحداث كلها يؤشر لحضور نخبوي كبير لدينا يفوق ما لدى تونس لكن ثورة الشعب في تونس تجاوزت الفعل الحزبي وانتظرته في محطة الإنتصار النهائي لتلتحق النخبة السياسية المشتتة وغير المؤسسة اصلا كتكنوقراط لديهم القدرة على إدارة المؤسسات الدستورية والتنفيذية والقضائية في وعاء الحرية التي حسمها الشعب بشكل ثوري نهائي ولم ينتظر فيها أحدأ من هؤلاء.
إننا نهيب بجماهيرنا الآن أن تخرج على هذا النظام المستبد الذي مزق السودان واحتمل وحده وزر الشتات الذي يشهده السودان والمهددات الوجودية للوطن.
يبقى الضلع الثالث في ثورة الجماهير التونسية وهو انهيار رأس النظام بشكل دراماتيكي لم يتوقعه أحد ولربما تأتينا الأيام القادمات بتفاصيل ودقائق ماجرى في قصر قرطاج عشية الإنهيار وصبيحة الرحيل المخزي للرئيس التونسي، وما سبق ذلك لكننا بشكل من الأشكال نتعلم أن هذه الأنظمة اضعف مما نتصور في غياب السند الجماهيري، ويمكن هزيمتها وطردها بليل، و يذكرني هذا ماكنا نتهيبه عشية المفاصلة المشهودة بين البشير وعرابه الكبير (الترابي)، لقد كنا نحسب ان السودان مقبل على صوملة جديدة بين جيش يقوده البشير وبعض أجهزته ومليشيات الترابي المسلحة التي رعت هرطقاته وجهادياته المدعاة، لكننا فوجئنا جميعا ان الأمر لم ينته عند تجريد الترابي من عضويته في الحزب الحاكم فحسب بل وعزله من رئاسة البرلمان ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل وحبسه!
ولم يتحرك في شوارع البلاد نبض ولم يعلو صوت!.
هذا هو الحجم الحقيقي للترابي!.
لكننا بعد لم نتعرف على الحجم الحقيقي للبشير ليس من حيث جماهيريته ولكن من حيث قبضته على مقاليد الحكم، يا أخوتي إن أحرار العالم الآن جميعا يتطلعون لحرية أخرى تنتزع من أجل المتبقي من تراب الوطن وكرامة إنسان الوطن.
لابد لنا من مصير نصنعه نحن ولا ننتظر صناع التفتيت والموت.
فالمجد كل المجد للشعوب التي تصنع حريتها، تقتلعها اقتلاعا من بين ايادي الديكتاتوريين.
إن الثورة اليوم في تونس لا تفتح اعين الحكومات الدكتاتورية إلا على حقيقة ضعفها إزاء الجماهير فلا تفوتوا الفرصة لعل في اقتناصها يكمن التغيير.
إن في ثورة الشعب التونسي اليوم درسا في بساطة الفكر وخلوه من التعقيد والفلسفات والإنسياق وراء العناوين والحزبيات، إنه فقط الثورة والإستمرار في الزحف حتى إسقاط النظام.
ولو لم يدر في خلد الشعب التونسي سؤال عمن يمكنه الحكم وتحقيق طموحاته والحال السياسية التونسية كما تعلمون يجمعها الشتات فليس اقل من أن نصمت قليلا ايزاء هذا السؤال الذي بدى يتشدق به حتى منتسبوا النظام بقولهم ومن ترى يصلح للحكم لو ذهبت الإنقاذ؟
هذا السؤال يردده الكثيرون من منتسبي الحزب الحاكم لكننا نعده ترفا كلاميا وفلسفة في غير محلها إذ إرادة الجماهير تصنع الثورة والثورة تصنع الحرية والحرية تصنع القرار والقرار الحر وحده هو من يجبر القوى السياسية الحاكمة في ظل الديموقراطية على تصحيح مساراتها وتطوير فعلها السياسي والحرية تصنع البدائل وتنجب الأجيال لا تقف عند نقطة زمنية  حيث تتعثر الديموقراطية بقدرما لدينا من أعين غافية وأراض كأداء حتى يستيقظ الجميع ويمهدوا ارضية العمل السياسي الكبير من أجل رفاهية شعبنا وليس ذلك على الله بعزيز ولسنا نستعجل على هذا الشعب ان يصنع ثورة التغيير والرفاهية والتقدم بين ليلة وضحاها ولسنا نستكثر على شعبنا ما انقضى من سنوات تلت الإستعمار وقضيناها نراوح في مكاننا دون التقدم ونعد ذلك دليل إحباط يقعد بنا عن المحاولة فالديموقراطيات الكبرى صنعت في مئات السنين ولسنا بدعا من الأمم.
لذلك فلابد لنا ان نبدأ منذ الآن ولو استدرك علي بعضكم لقال بل منذ الأمس وقبل ذلك لكني اقول ولو كنا نبدأ اليوم فلا تنسوا أننا سوف نصل في يوم ما بإذن الله.
وتذكروا دائما أننا أنتظرنا كثيرا بين قول الشاعر ابوالقاسم الشابي :
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر
حتى جاء الشعب التونسي ليفسر لنا معنى هذه الأبيات
يبدو أننا قرأناها على عجل، أو أننا لم نتأملها!

طرابلس ليبيا
15/01/2011

أموت وفي نفسي شيء من " زمان"


نعاتب أنفسنا كثيرا عندما تسرقنا خواطر السياسة من أنفسنا، فنقرأ حين نقرأ عن السياسة ونكتب حين نكتب عنها، في حين اننا نعلم تمام العلم أن نشأت وتطور المجتمعات وإن كانت ترتبط بمرحلة نبوغ سياسي فهي لا تعدو ان تكون سياسية في توظيفها للقدرات البشرية وإطلاق طاقات المجتمع من أجل البناء، وليس أدل على إنشغالنا بحوادث السياسة من أن موضوعي هذا قد كتب منذ أكثر من خمسة أشهر ولكني اجلت نشره لتداخله مع إرهاصات الإستفتاء في جنوبي السودان ثم أشتعلت ثورات الحريات من اقصى الغرب في تونس ثم مصر وصولا لليبيا فلم يعد يشغلنا حينذاك غير تلك الثورات ولكني قررت أن أعود لجوانب الحياة بجزيئاتها كلها رغم ما ينتاب البلاد من نوازع جديدة في جنوبها الغربي..
إذ لابد لنا من أن نتخفف من عبأ السياسة حينا بعد حين ونرتحل بين صفحات الحياة الأخرى التي تكتنز شيئا من ابتسام يتداعى أحيانا و ينفرج حتى يغدو ضحكا وما أحوجنا للضحك!
فنقرأ مقالات وكتبا في الحياة تحمل بين طياتها نبض الحياة وسننها في الناس وموروثها التليد.
ونرسل نفوسنا على سجاياها تتبع مشاهد الرحلة التي تتكامل فنونها وآدابها ونظمها الإجتماعية ومناشطها الإقتصادية فيما يعرف إنتهاءا بالسياسة، فنبتهج للتفاصيل الدقيقة أحيانا ونبتئس أحيان أخرى، ولكننا في ترابط كليات فنون الحياة لدينا نبتئس بالضرورة، لو كنا من بني السودان، فالكل نتاج ترهلات جزئية يسيرة لا تصنع له قوة من خيال.
وبذلك فقد عز علينا صناعة الحلم فجعلنا نتوهم  الكمال في ماض خلا.
السودانيون: هل صاروا أسرى للماضي؟
عنوان مقال قد يكفيك مشقة البحث بين سطوره حين تجيب بنعم، ولست أدري كيف يقوى مجيب بلا أن يقول لا؟
لكنه ثمة من يشقى بمثلها من عناوين حتى حين يجيب بنعم!
الأستاذ بدرالدين الهاشمي كاتب هذا المقال كثيرا ما يتحفنا بكتاباته  مترجما لشيء من نتاجات عالمية ومفسرا لأخرى ومبدعا مجتهدا في أحايين كثيرة.
فهو في هذا المقال يعرض لداء اصابنا في تأملنا واستشرافنا للمستقبل فجعل يرتد بنا لذواكرنا وما اختزنت من ايام خلت، وما احتوته تلكم الأيام من فعال تتفاوت قيمة بين العمق والسطحية وبين الإبداع والفجاجة  لكننا لا نعدها - إذ نذكرها-  إلا على أنها تجليات من زمن جميل انتهت بإنقضائه كل جدوى عمل ولم يعد بالإمكان - بداهة - افضل واروع وارقى من الذي كان!
الذي اسعدني في مقاله ذاك هو أنه ينبه للمستقبل بحسبانه الشيء الممكن ويتنأى عن تمجيد الماضي في كل شأنه لو لم يكن رجوعنا للماضي من أجل استخلاص العبر والتعلم من التاريخ، ولقد أفاد الأستاذ الهاشمي كثيرا في الفصل بين فكرة تمجيد الماضي كل الماضي والتقوقع فيه وبين فكرة تبشير الناشئة بحيوية البناء المستقبلي لأن الروعة تكمن في الآتي الذي لم نره ولم نرسمه بعد...
لست بصدد ترداد ما أسلفه أستاذنا بدرالدين غير ان نصا كالذي قرأته يصلح لأن يضمن في مناهجنا التربوية لتوازنه  وجزالته في السرد ووضوح فكرته وحيويتها ولو على سبيل التثقيف العام وإثارة الحوار والتبادل الفكري بين الناشئة حول مضامينه وأثرها على المستقبل وهل في ذلك إنتقاص من قيمة الماضي؟
ثم هل كان الماضي كله إستثنائيا أو جزاءً منه او حتى قليل منه؟
وتبقى لـ ( أيام زمان) بسطة من وقت لا تتعدى إتاحتها أن تروح عن ذواتنا ولو خلت من عمق.
الأستاذ شوقي بدري يطالعنا بقدر غير يسير من مقالات تبعث في نفس القاريء الضحك احيانا والدهشة أحيانا أخرى من حضور بديهته وذاكرته الإستثنائية حين يسترسل في ( أيام زمان) على وزن "قام... سافر... تاه" كما يقول الأستاذ الهاشمي في مقاله سالف الذكر وعلى ذكر التوهان فكاتبنا شوقي مثير للإستغراب والدهشة حين يسترسل في (حكاويه) التي تقفز بنا من مكاتب المؤسسات الحكومية إلى الشوارع الرئيسية (فالبيوتات) ثم تتوه بنا في الأزقة وتنعدم معها كل خيوط العودة للوراء  وتنفصم كل عرى الترابط الفكري ولا تنتهي بالقارئ لغاية محددة يحسب انه يدركها بعد طول تتبع، فهي في كثير من أحيان لا تعدو مجرد يوميات لأشخاص عاديين حظهم من الحياة هو ان الكاتب يعرفهم بشكل شخصي ويعرف صلات القرابة التي تربطهم بأهلهم ومصاهراتهم فغدو بذلك رموزا مجتمعية دون جليل عمل.
كتابات كهذه قد تصلح لإعانة مؤلفي القصص الشعبية ولا يمكن – بحال من الأحوال – أن تتجاوز ذلك.
و لعل أستاذنا شوقي إذ يسترسل في (حكاوي زمان) لم يعد يلزم نفسه بضرورات اللغة الفصيحة - وهو أهل لذلك- فدرج يكتب بالعامية، فعجبت لهشاشة الشكل والمضمون كيف يستدرجان ذوي الأقلام أن يعدوا جلساتهم مع بائعات (الشاي) واسفارهم عبر القطارات شرقا وغربا وجلسات أماسيهم تراثا علميا يستحق المداد الذي استنفذ في كتابتها!
أسئلة كثيرة جعلت تدور في مخيلتي وأنا أقرأ للأستاذ هلال زاهر الساداتي وهو يستدرك على شوقي إذ أضاف مجموعة كبيرة من الشخوص والحكايات الشخصية التي تعنيهما ولا تحمل جديدا من ذلك أنني جعلت افترض  أن لو كانت أم درمان هذه بحجم مدائن كبيرة نعرفها هل كان لمذكورينا هؤلاء محل في التاريخ؟
أليس المستشفى و(البوستة) ومحطة المواصلات والمدارس الثانوية وكلها كانت لا تتعدى الإثنين والثلاثة والواحدة احيانا، بحيث تجمع هذا العدد ممن اصبحوا قضاة وسياسيين ورجال أمن وفنانين.
لا أدري لو كان هذا كافيا كدليل نبوغ وهل لو أن البلاد اتسعت عددا وعدة هل يكون هؤلاء من ضمن النخب المدعاة؟ أليست رحمة المقادير بهم انهم درسوا في المدرسة التي لم يوجد سواها في المدينة آنذاك فغدو بذلك اول المهندسين والأطباء؟ أليست المؤسسات التي عملوا بها كانت مثلهم هي أول المؤسسات التي أسست ولم يكن بالإمكان ان يقودها غيرهم؟
كلها اسئلة لا يكاد يخلو منها ذهن متأمل، ولقد يجمل بكتابنا ان يتهيبوها ابتداءا حين يستغرقون في الماضي لا يلوون على شيء.
و لقد تجد في أدب المذكرات وترجاع الماضي شيئا من طرفة وروحا مرحة تلهيك عن ساعات تقضيها في مدارستها حين تقرأ للأستاذ مصطفى عبدالعزيز البطل وهو يفرد لكتاب (المجذوب والذكريات)، لكاتبه ابي سن إذ تتوارى خلف  تلك الروح المرحة مخاشنات وإوار معركة عنيفة عدها البعض معركة في غير معترك، ونعى عليها البعض تجاوزها لكثير مما عدوه لزوميات الأدب في حق من ارتحل عن دنيانا وفي شخصية كاتبنا مصطفى البطل - إلى روحه المرحة - عدم تحرج.
لست ارمي لمحاباة بقدرما ارمي للتصويب على الفائدة والتنفير من نظرتنا الرجعية للماضي كل الماضي ليس لشيء إلا لأنه مضى وكأننا نعلن بذلك عجزنا عن صناعة الحاضر والتطلع للمستقبل وكأننا نلوذ بهؤلاء الكهول الذين تحلقوا حول موائد شاشاتنا يحدثوننا عن ايامهم كيف كانت ويقطعون الطريق على كل امل جديد يكون لهذا الجيل، والأمر والأدهى في تفكيرنا هو اننا وبعد الوقوف على تجربة الماضي التي لا تتجاوز اول مدرسة للبنات انشأها (بابكر بدري)، وأول قاضية في البلاد العربية واول برلمانية واول كأس امم افريقي وأول قمة عربية توافقية (قمة اللاءآت الثلاث) نعود لنربط خطى الجيل الحاضر بالماضي في الغناء ونعد تركيزهم على الغناء وعجزهم عن مجاراة ذلك الرعيل علامة تأخر وكأننا نسينا ان للحضارات إذا قصدنا اليها ابواب مشرعة كثيرة تنتظر العمال وليس المغنيين مع احترامي وتقديري للمغنيين ودورهم في صناعة الفن التي هي رافد من روافد كثيرة تغذي تيار الثقافة العام ولا يقف عندها .....
ولقد تفيد بعض المذكرات كالتي ذكرها الصحفي طلحة جبريل حين حدثنا عن اخبار الجالية السودانية في امريكا وحال المجتمع الأمريكي وحياتهم بشكل غير مباشر تحت عنوان (سنواتي في امريكا). وكأنه ينقلنا للتجربة العامة من زاوية التجربة الخاصة وهي تجربة شديدة اللصوق بواقع امريكا اليوم لقربها التاريخي منا وبذلك فهي لا تعدو ان تكون نافذة على الحياة في امريكا اتاحها لنا الكاتب طلحة جبريل كي نقف عليها وليس على حياته الشخصية وفي ظني ان في ذلك فائدة واقتصاد وتوجيه.

روابط ذات صلة
الأستاذ بدرالدين الهاشمي:
الأستاذ شوقي بدري:
الأستاذ هلال زاهر الساداتي:
الأستاذ طلحة جبريل:


عبدالله الأحمر
إيطاليا – بلدة بوفي